pages

Friday, October 23, 2015

..غُرباء هم الآن في قبورهم..»»



       “الموتُ شيءٌ مُرعب ليس فى حَدِّ ذاته، ولكن بما يترُكه للأحياء من بَقَايا حياة الراحلين
محمد المخزنجي-  أوتار الماء
   
الماضي البعيد الذي لطالما شعرتُ تجاهه بالشوقِ والحنين. لا أعلم كيف ستكون أيامُنا المستقبلية وأخافُ منها، ليس بسبب أنني أخافُ من الموت ولكن هناكَ من أخافُ عليهم منه. قبل عدة أيَّام حزنتُ حينما علمتُ أن عضوًا كان يُشارك بمنتدى قد فارق الحياة، كان هناك العديد من الأعضاء المشاركين معه ولطالما كانت حواراتهم متعلقة بالمسلسلات الكرتونية مع أنهم ليسوا صغارًا أو مراهقين بل في عشرينياتهم وهناك من هم أكبر. قد يجد القارئ أن هذا طفولي ولكنه أمرٌ جميل ولا يدخل فيه كراهية أو بغض بل مُجرد أحاديث لذكريات الطفولة؛ مع أنني كُنت مُتابعة لحواراتهم وما جدَّ من مسلسلات كرتونية قديمة ونادرة يقومون بالإشارة عليها لمن أراد المتُابعة في التلفاز، أعجبني حواراهم البريء في هذا العُمر مع انتقاداتهم لمراكز الدبلجة التي تُبالغ في أشياء كثيرة وتُحرِّف الحبَّ البريء في المسلسلات الكرتونية والتي لطالما عشنا معها في طفولتنا دون أن تُخلَّ بعقولنا بل فتحت لنا أبواب محبة الناس حتى بدون أن يكون هناك سبب فقط نشر المحبة. لم أُصدق ما قرأت حينما ذُكر خبر موته بسبب حادث مروري وانتظرتُ أكثر من أربعة أيَّام حتى يأتي إلينا ويقول لنا "أنا حي" لذا انتظرتُ وطال الإنتظار، هل حقًّا هو ميت وفي قبره بينما أنا أنتظر قدومه؛ لدرجة أنني لم أستطع الرد بقولي "رحمه الله" لأنني كُنتُ في حالة نُكران ولم أُرد قبول هذا؛

لم يكُن هذا العضو الذي لم أعرفه سوى من مشاركاته سوى الشخص الثاني الذي قرأتُ له في موضوع بمنتدى آخر قديم. قبل 11 سنة مات عضوًا كُنتُ أرى له مشاركات عديدة ولطالما تبادلنا الردود بالشكر والحوار وأذكُر أنه كان من النوع الممازح اللطيف ولم أجده يسب أحدًا أو يُسيء إليه بقول، وبسبب حُزني الشديد وعدم استيعابي بأنه في قبره وتحت رحمة ربه وخالقه شعرتُ بأنني فقدتُ عزيزًا. أنا لا أعلم كيف هي تصرفاته خارج عالم الإنترنت ولكنني لم أعرفه سوى في منتدى حينما كانت المنتديات لها أهميتها قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي في زمننا الآن. ولأنني شعرتُ بالحزن قُمتُ بحفظ آخر مواضيعه لدي على شكل صفحة أرشيف أدخلها حينما يخطر في بالي، ولكن المثير للسخرية أنني لم أدخل تلك الصفحة سوى 4 مرات على مدى 11 سنة كان آخرها قبل دقائق. كان قد تحدث في آخر مواضيعه عن نتائج اختباراته ومتى ستظهر بقية نتائجه، قال أنه في المستوى الثالث لدراسته ويعمل في نفس الوقت. لم أستطع حذف تلك الصفحة المحفوظة لدي ولم أجرؤ على دخولها بسبب أنَّ الحُزن سيدخُل إلى قلبي لشخصٍ غريب لم أعرفه ولم أتعرف عليه سوى من مشاركاته فقط؛ تارةً هو يردُّ على مواضيعي إن كتبت وتارةً أنا أردُّ على مواضيعه، مع العلم أنني كُنتُ أستخدم عضوية أُختي ولم أسجل بحسابي الخاص لأنني لم أكن من النوع الذي يُريد ذلك، رُبما لأنني لم أشعر أنه من الضروري أن يكون لي عضوية خاصةٌ بي؟ هل كان ذلك الشخص الأول الذي مات قبل 11 سنة شخصًا سيئًا في حياته الواقعية لا أدري ولن أعرف يومًا ولو أنه لا يزالُ حيًّا هذا اليوم لكان عمره في  مُقتبل الثلاثين أو رُبما هو الآن مُتزوج ولديه أُسرة، أعان الله والديه حينما يتذكرون ابنهما الميت. بسبب تجربة حُزني لفقدان غريبين لم أجد منهما سوى الحُسن واللُطف أشعرُ بالأسف لمن هو/هي الآن يسب ويلعن من هم حولها في مواقع التواصل الاجتماعي وفي العلن دون تفكيرٍ لقبرٍ رُبما سيكون بيتنا في الغد القريب؛ تغيَّرت يا زماني وتغيُرك أصبحَ مثل غصَّةٍ أشعُر بها  كُلما رأيت حال الناس وجيل اليوم؛

وهناك فتاة شابة لم أعرفها يومًا، ففي بدايتي لعالم التدوين عام 2010 بدأتُ أطَّلعُ على التدوينات من خلال البحث ولفتت نظري تدوينة حزنتُ لصاحبتها أشدَّ الحُزن رُبما دخلتها من تدوينة أحدهم يُخبر عنها وعن موتها أو هو البحث الذي أرسلني إليها؟ لقد كانت أُردنية إن لم أكن مُخطئة ولم تخُنِّي ذاكرتي. آخر مواضيعها رُبما عام 2009؟ لم أجد تحديث جديد لموضوع جديد، تحدثت في مواضيع متعددة عن يومياتها مع علاجها بمرض السرطان حفظنا الله جميعنا ورحم من أُصيب به؛ قرأت لها صفحتين أو ثلاث صفحات ولم أستطع الاستمرار، كانت تتحدث بتفاؤل وأذكر أنه في المواضيع الأولى نشرت صورةً لها ورأسها خالٍ تمامًا من الشعر بل رأسها أبيضًا ليس فيه شعرة، كانت جالسة على سرير المشفى وُمنكسًّة رأسها لأسفل حتى يقوم الشخص الذي يحمل كاميرته أو رُبما هاتفه بأخذ صورةٍ لها. ما شدَّني لمتابعة تدويناته هو تفاؤلها، كانت تكتب باللغة الإنجليزية ومع أنني واجهت صعوبة الاستمرار في القراءة فأنا لستُ سريعة القراءة مثل سُرعتي للقراءة العربية حاولت أن أقرأ أكثر. كتبت عن تجربتها مع والدتها حينما قالت لها قريبتها أو صديقتها؟ أنَّ الأم حينما ترى طفلتها مريضة ولا تستطيع فعل شيءٍ لها فإنها تلجأ لصنع العديد من المأكولات لها فهذا هو ما تستطيعُ فعله مع دعائها لها بالشفاء؛ حتى وإن لم تستطع هضم الطعام أو أكله فهي ستستمر بصنع المزيد فهذا قلب الأم؛
  
       “الرُّموز تحمل قيمتها في موتِها ووحدهم الذين ينوبون عنهم، يحملون قيمتهم في رُتبهم وأوسمتهم الشرفيّة، وما ملأوا به جُيُوبهم على عجلٍ من حِساباتٍ سرّية 
أحلام مستغنماني- ذاكرة الجسد

قبل أسبوعين خطرت في بالي تلك الفتاة وحاولتُ أن أبحث عن تلك التدوينة ولم أجدها أذكر عنوانها بشكل غير أكيد وبحثت عما أذكره ولم تظهر لي. لا أدري هل هي ميتة أو حيَّة؛ هل دخلتُ تدوينتها بسبب خبرٍ قرأته من إحدى التدوينات التي ذكرت خبر موتها أو هل هو البحث. رحمهم  الله في الحياة والممات؛ هناك العديد من الأعضاء ماتوا ولا نعلم أنهم ماتوا، بل سنقول اختفوا والقصد هنا مشاغل الحياة. هناك من مات صغيرًا وهناك من مات شابًّا؛ وهناك من مات عجوزًا بسبب تجربتي في ويكيبيديا العربية التي فقدت شخصين كبيرين في السن هما السبب في تطوير بداية ويكيبيديا العربية وحاولوا ترجمة القوانين ووضع الإرشادات الصحيحة وجذب جيل الشباب لها؛ هناك صورتان لهما والشيبُ فوق رأسيهما، تُرى لو أن جيل اليوم رأى ما فعلوه من نشر العلم والمعرفة لمواضيع نحن نقرأها في ويكيبيديا العربية فهل سيشعرون بحجم ثواب نشر علم ٍنافع أو مقالٍ لطالما أردنا معرفة المزيد عنه أو رُبما عالمٍ أجنبي لا توجد كُتُبٌ له ولكن هناك مقالٌ مكتوب في ويكبيديا العربية وأنا أخصُّ بالتحديد العربية لأنني هنا أُحاور العرب ومن هو يُحبُّ السبَّ والشتم وعدم نفع نفسه أو غيره لشيء من الممكن أن يكون السبب في سعادة الآخرة؛ وهناك أيضًا اليوتيوب وما أكثر المستهزئين بالناس أو استخدام إساءة من أجل إضحاك الآخرين ومع الأسف الشديد أنهم استخدموا العبارات الصريحة وغيرها في قنوات عربية كثيرة ومتخصصة لإضحاك الناس وما أكثر تلك القنوات الشهيرة والمعروفة بل والناس يترقبون جديدها؛ ليس في ذلك فائدة سوى تضييع الوقت والسب في ردود الأعضاء، بينما هناك قنوات تكادُ تُعد على الأصابع التي تتعلق بنشر العلم والثقافة والتاريخ بأسلوب مميز حتى أنهم لم يستعينوا بما يجدونه في الإنترنت بل ابتكروا من ابداعاتهم  التي لم تتوقف ولكن المشتركين في تلك القنوات قليلون بسبب عدم وعي العرب لمدى الجهل الذي نحنُ فيه وإن فاتحتهم بهذا الأمر المهم قالوا أننا نُبالغ ونحن تاريخنا مليء بالعلماء العرب والمسلمين! ومع الأسف الكل مُقتنع بالماضي ولا يُريد نفع الناس في هذا الزمن بل يذهبون لقنوات السخرية والضحك!؛

      “ألسنا نَعيشُ حياتنا و نحنُ نعلم أنَّ الله سيأخذها؟
نجيب محفوظ - الشحَّاذ

لا أعلم متى أموت ولكنني بالتأكيد لا أُريد الذهاب لقبري وذنوبي تكادُ تفيضُ منِّي. أنا ولله الحمد لا أُحبُّ السب والشتم أو نعت أحدهم بأنه "حِمَارٌ وكَلب" أو كلمات أُخرى بذيئة ومع ذلك هناك من هم حولي يستخدمون تلك الكلمات عند الغضب أو التحدث عن أحدٍ أساء إليهم؛ تجدونهم يستمرون بذلك حتى عند تنبيهي لهم أن لا يستخدموا تلك الكلمات البذيئة والاكتفاء بقول حسبي الله على من ظلمني دون قولٍ بذيء، يردُّون على نُصحي بأن يقولوا لي "بكيفي!". مع الأسف أن البشر لا يُفكِّر بآخرته كثيرًا، إنَّ الدنيا التي نعيشها ليست باقية ونحن سنموتُ قبلها ورُبما في وقتٍ أقربُ مما نتوقعه وهي مثل الحصاد الأخير الذي نحصد فيها الحسنات وإن لم تكن الحسنات فهو التعامل بالإنسانية لمن هم حولنا، هل حقًّا يستحق السب والشتم والكراهية للناس تلك الذنوب التي سنحملها والتي من الممكن أن تكون السبب في بُعدنا عن الله ومن هم حولنا؟ أنا لستُ كاملة ومع ذلك امتنعتُ عن نعت أحدهم بالحمار والكلب مُنذ زمنٍ طويل جدًّا، ليس هناك مُستحيل في تعليم أنفسنا آداب الكلام؛