pages

Saturday, July 20, 2024

التعليم في الماضي

 

في الأربيعينيات كانت عجلة التعليم في بلدي مُعتمدة إعتمادًا كبيرًا على إخوتنا العرب من بُلدان عدَّة مثل الأردن وفلسطين ومصر؛ وكذلك تعلم الإنجليزية من الأجانب بعدما ظهر النفط في بلدي وبدء أعمال التنقيب بالتعاون مع شركات أجنبية.؛

كان أبي من الذين درسوا على أيدي أساتذة من بلدي وكذلك من الأردن، وتجربته مع مدرس اللغة العربية الأردني فلسطيني الأصل عميقة إلى يومنا هذا. فلا يزال يتواصل معه حتى بعدما عاد إلى بلده الأردن بسبب أخلاق الرجل ورحابة صدره في تعليم الأطفال التي قلَّما نجدها الآن في وقتنا الحاضر.؛

قبل أن يعود لبلده كانت لدينا زيارات متعددة لشقته مع أمي وأبي وإخوتي وكذلك هم أيضًا زارونا في بيتنا وكان هذا التعارف من أجمل الأشياء التي عشتها في حياتي بحكم أنهم مُختلفون عنَّا في اللهجة والعادات بسبب بُعد المسافات بين البلدين.؛ 

حينما كُنتُ في المرحلة المتوسطة إن لم أكن مُخطئة كان هُناك درس في الخياطة عن عمل التريكو بالصوف وكان هناك نوعًا من الغُرز المتطورة التي لطالما وجدتُ صعوبةً في اتقانها مما دفعني لأطلب من أمي أن تُساعدني فيها لأنني في كل مرّة أعقد خيوط الصوف ولا تظهر الغُرزة.؛ ولأن أمي لا تعرف سوى في الخياطة وجدت صعوبةً في عمل صنارة الصوف  لذلك اتصلت وطلبت من زوجة الأستاذ الأردني الفلسطيني المساعدة.؛

وفعلًا لبَّت النداء وزرناها أنا وأمي وأبي ومعي الصنارة والصوف، هو مع أُستاذه المتقاعد من أيام المدرسة يتحدثان ويتسامران وأنا وأمي في غرفة أُخرى مع زوجته تضحكان ومن بعدها بدأت في مساعدتي في فهم الغرزة. كانت سريعة في عمل الصنارة وحركة أصابعها مع الصوف أبهرتني وبين فترة وأخرى تقول لي هل فهمتِ؟ لتكرر أمي كلامها الموجه إلي؛ هل فهمتِ كيف عملت الغرزة؟ أجيبهما بنعم وأنا في الحقيقة لم أفهم ولكنني انبهرت من براعتها.؛ 

كل ذلك كان في التسعينيات وقبل الإنترنت الذي منه بدأنا نأخذ منه كل شيء؛ لم تكن هناك طريقة غير التواصل مع أحدٍ ما ومن ذلك التواصل تتعمق العلاقات بين الناس.؛

اليوم وأنا في هذا العمر وحين أنظر لنظام التعليم الحالي أتحسَّر على وضع الأطفال لأنه حتى في زمني لم يكن التعليم سوى مجرد روتين ممل يقوم به المعلمون والمعلمات دون اهتمام على عكس الزمن الذي عاشه والداي في مراحل طفولتهما وكذلك في مراحل دخول أبي العمل في شركات النفظ والتعلُّم على أيدي مدرسون أجانب لغتهم الأم هي اللغة الإنجليزية.؛

لدي إلى هذا اليوم بعض الكتب التي درسها أبي في أثناء عمله في شركة أرامكو في السبعينيات، لو رأيتم تلك الكتب لتحسرتم على تعليمكم الحالي مع الأسف. حتى اللغة الإنجليزية وطريقة الكتابة مميزة في كُتب أبي. حينما أرى ملاحظاته المكتوبة بتلك الكتابة المُتشابكة أتحسر على كيفية دراستي اللغة الإنجليزية في مدارسنا.؛

فعلًا كان المدرسون والمدرسات من الأردن بالذات هم السبب في تطوير العجلة التعليمية في دول الخليج كلها، فلو ذهبت إلى الكويت مثلًا لرأيت من يمدح تلك الأيام في الستينيَّات والتي درسوا فيها على أيدي أساتذة أردنيين.؛

لا يزال أبي متواصلًا مع أُستاذه في الأردن حتى بعد هذا العُمر أطال الله في عمرهما ولو يومًا ما زُرناه في الأردن فإنه سوف يُكرمنا كرمًا شديدًا فهذه هي طباعهم في الضيافة، فقد سافرت أمي مع أخي في منتصف الألفية إن لم أكن مُخطئة للأردن لرحلة عابرة بين دولتين وحينما زاروهم لم يُقصروا معهم بشيء لدرجة أنهم كانوا قد قرروا الذهاب لمدينة البتراء من أجل أمي وأخي ولكن بحكم ضيق الوقت اعتذرت أمي ولم ترى تلك المدينة الخلَّابة.؛

أما اليوم فإنني لا أرى العديد من المثقفين الأردنيين وكل ما أجده هو القلَّة منهم فقط. لا أعلم مالذي حدث ولكن لم تعد تلك الفئة المتعلمة المثقفة من الأردنيين موجودة وإن وُجدت فهي من القلَّة والبقية أصبحوا كما لو كانوا مثل الذين نجدهم في بلدنا بلا روح تعلُّم وتعليم وحتى بنك  المعلومات العامة في عقولهم تكاد تكون مُنعدمة.؛

   

No comments:

Post a Comment